حميد مجيد هدو
87
كمال الحيدري (قراءة في السيرة والمنهج)
حيث كنّا نذهب قبل أذان الفجر إلى المدرسة الجديدة الواقعة خلف مسجد ( كوهرشاد ) لندرس هناك ، ونعود والوقت ما يزال ظلاماً أيضاً ، إذ إنّ علماء وطلّاب مدينة مشهد كانوا في الغالب يرون أنفسهم منزّهين عن كتب الفلسفة ، التي كانوا يرون فيها بأسرها كتباً للضلال ، فإن رأوا نسخة من كتاب « المثنوي » في حجرة أحدهم اعتقدوا بكفره . وكانوا يرون أنّ كتب الفلسفة نجسة ، ولا يمسّون بأيديهم غلافها حتّى لو كانت جافّة ، بل يرون أنّها أكثر نجاسة من جلد الكلب والخنزير . . . فقد كانوا يلجأون إلى إشاعة أمثال تلك الافتراءات ، والناس أعداء ما جهلوا ، بينما الحقيقة : أنّ لبّ لباب الفلسفة هو توحيد ذات الحقّ تعالى وصفاته وأفعاله ، وذلك أصل الدِّين ، وقد قيل : « أوّل الدِّين معرفته » ، فإذا كان ذلك هو الكفر فما هو الدِّين إذاً ؟ » « 1 » . كان هذا اللّون من التفكير هو السائد في الحوزات العلميّة وقتئذ ، لذلك أعرض غير واحد من الحكماء وأساتذة علوم الحكمة عن تدريسها أمام الملأ ، بل سعى بعضهم سعياً حثيثاً بالتظاهر بتدريس الفقه والأصول ، بعد شيوع تقليد حوزوي خاطئ يخصّ وصف العالم في الحوزة بمدرّس هذين العلمين ، فخرجت الحوزة العلميّة من كونها جامعة تستوعب جميع العلوم الإسلاميّة إلى كلّيّة فقهيّة « 2 » . ولم يقتصر الموقف السلبي من علوم الحكمة على حوزتي مشهد والنجف وإنّما سبقتهما بذلك قم ، فمنذ صدر الدِّين الشيرازي اشتدّ الموقف المناوئ للفلسفة ، ممّا اضطرّ الشيرازي أن يختار له منفى في قرية « كهك » ويظلّ معتكفاً فيه على التأمّل الفلسفي والتأليف مدّة عشر سنوات ، تجلّت له فيها الكثير من الحقائق الفلسفيّة والذوقيّة التي ذكرها في كتابه « الأسفار
--> ( 1 ) المصدر نفسه : ص 65 . ( 2 ) الاجتهاد في الإسلام ، الشيخ مرتضى المطهري ، ترجمة : جعفر صادق الخليلي : ص 58 .